فنجان قهوة



















قصة الأمس … بعض من هذيان الحمى .. / فواغى القاسمى

كان يوم الثلاثاء2 أكتوبر في لندن مشمسا و جميلا برغم حفيف الريح الخريفية الباردة التي كانت تداعب الأدواح فترسل نوعا من الشجن العذب – روادتني نفسي على الخروج و التمتع بهذا الضوء النادر الحدوث في هذه المدينة الكئيبة ٠ تذكرت أن محلا شهيرا للفطائر (الكريب ) الفرنسي يقدم فطائره الحلوة اللذيذة بمختلف الحشوات قد افتتح مؤخرا فرعا له قريبا من مكان سكني . بحثت عن موقعه و عنوانه – درسته جيدا فأصبحت أحفظه كقصيدة شعر – تأكدت من حالة الجو الغادرة لكنني لم أثق بما رأيت فقد كانت الأرصاد الجوية تشير إلى أمطار في المساء و شروق في الصباح و لكنني المطر كان يهاجم نافذتي بقسوة في الصباح فاعتقدت أن المعلومات على الشاشة معكوسة – إذا ستتوقف السماء عن البكاء في المساء و هذا ما يناسبني كثيرا .. يجب أن لا أضيع فرصة التنزه قبل أن تغادر شمس هذا اليوم – اصطحبت هاتفي و مظلتي من باب الحيطة و خشية الغدر و طفت بالطرقات الجميلة و أنا أستمع لكاظم الساهر من هاتفي يتغنى بأشعار نزار التي أعشقها .. و فجأة توارت الشمس خلف غيمة سوداء كثيفة أقنعت نفسي أنها ليست سوى بعض مشاغباتها البريئة – حتما ستطل من جديدة بهية كما كانت .. فواصلت المسير . ارتفع صريصر الريح شيئا فشيئآ و بدأت قطرات خفيفية تنزلق على وجهي وكتفي – تجاهلتها تماما.. ثم أخذت وتيرتها في التصاعد قليلا و أنا أغالب حقيقة أنها إنذار بالانهمار .. تابعت سيرى أبحث عن ذلك المخبز الجديد و لدي إصرار أن أعثر عليه و أتناول فطيرة القهوة اللذيذة ..لقد واعدت صديقتي التي ستحضر إلى لندن قريبا أن نتناول فيه الكريب سويا.. فهي تتشوق لأكل الكريب بالموز و الشكولاته ، أما أنا فدائما أحب تجربة الجديد علّني أحظى بطعم ألذ .. و ليس دائما ما يكون اختياري صائبا . ساقتني قدماي إلى طرقات لم أعرفها من قبل و ازداد نحيب الريح فكانت الأدواح تنحني على الأرض كأنما تريد أن تلثم وجهها و هي تذرف الأوراق و دموع السماء تنسكب بغزارة على وحه الدنيا و بدأ الظلام يزحف متثاقلا فانتابتني لحظة من الضياع لا أدرى أين أتجه أو أين أكون – هنا تذكرت قول صديق قديم للعائلة آثر الرحيل من الدنيا قبل أعوام قليلة – كان دائما يمزح معي فيقول أنتِ حتما كنتِ رئيسة للفريق الكشفي في المدرسة ! لا أدري لماذا خرائط الطريق تبدو في ذهني بصورة معكوسة، فإذا كنت بصحبة أحد و أشرت إلى أن المكان المقصود هو على يميننا فهو حتما سيكون على الجهة اليسرى ! هكذا أنا .. قراءتي للمواقف أو المواقع معكوسة :)
بعد حلول الظلام تدنت الحرارة و علا صرير الريح و اشتد غضب السماء فوجدتني أرتعش بردا و ضياعا و لا أستطيع أن أصف أين أكون كي أستدعي من يسعفني في تلك اللحظة القاسية .. و لأنني تسكنني فوبيا التاكسي فأنا لا أفكر بإيقافه كي يعيدني إلى منزلي – و ما زاد الأمر سوء أنني كنت قد انتهيت للتو من فصل للأنفلونزا فإذا بها تعود من جديد بأسوأ من سابقتها – في تلك اللحظات شعرت بقسوة الآلام تحطم عظامي و الصقيع يسكن مفاصلي و يرسم غلالة على عيني فلا أكاد أرى حتى عمود الإشارة الضوئية … أين أنا .. كيف أعود .. ماذا أفعل وقدماي لا تقويان على حملي .. لقد خارت كل قواي .. تلك المرة الأولى التي أشعر فيها بمثل هذا العجز و الضياع .. كل ذلك و أنا لم أعثر بعد على المخبز الذي ربما كنت سأجد فيه بعض العزاء و الدفء .

استسلمت لواقعي و قررت التغلب على فوبيا التاكسي حيث لا مجال أمامي سوى ذلك .. وقفت على رصيف الشارع مبللة تماما و أرتعش من شدة البرد و الريح و أنا أشعر رأسي كأنه أصبح مزرعة أشواك – توقف التاكسي فاقتربت منه لأعطيه العنوان فانزلقت بالماء وكدت أسقط على ظهري لولا عناية الله .. تبسم حينها السائق و أخذ يواسيني ... سألني عن العنوان وحين سمع به تفاجأ .. كرره مرة أخرى للتأكد من صحته فأجبته نعم .. نظر إلى نظرة إشفاق .. أنا متأكدة من ذلك …. ثم تبسم و قال تفضلي سيدتي و هو يرى حالتي البائسة تلك .. ذلك السائق قضى على كثيرا من الفوبيا التي كنت أعاني منها و الفكرة المتوحشة في ذهني عن سائقي التاكسي .. أخذني مسرعا إلى المنزل .. لم يستغرق الوقت أكثر من ثلاث دقائق و الأجرة كانت جنيهين فقط إضافة إلى تعريفة التاكسي – لقد كنت تائهة في المنطقة القريبة جدا من المنزل ! وصلت إلى المنزل و أنا غير مستوعبة ما حدث لي... ودعني السائق بابتسامة و هو يقول ها أنت أخيرا أمام منزلك سيدتي – شكرته و ناولته أجرته مع شيء من الإكرامية وهرعت مسرعة إلى الدفء – دفء العودة و دفء المنزل .. لم أكن أرغب بشيء حينها أكثر من حمام دافئ و كوب من القهوة السوداء الساخنة .. و كان ذلك .. لكن بعدها بقليل بدأت الحمى تزحف إلى أوصالى فخارت قواى و اشتدت الآلام و ارتفعت الحرارة و بقيت في فراشي عاجزة حتى عن تناول الطعام .. و مع كل هذا لم تنتهِ رغبتي في الحصول على فطيرة القهوة التي تكبدت الآلام في الوصول إليها و لم أتذوقها فأرسلت من يأتيني بها... و قد كان … تناولتها برغبة شديدة و كأنها المرة الأولى … فقد دفعت ثمن الحصول عليها عاليا جدا … المهم في الأمر أنني كنت أبحث عن المخبز الذي حفظت عنوانه في الحارة المقابلة كالعادة …..

الشاعرة  / فواغى القاسمى

------------------------------------------



0 comments: